ابن الجوزي
269
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي ) في " من " قولان : أحدهما : أنها للتبعيض ، قاله الأخفش ، والفراء . والثاني : أنها للتوكيد ، والمعنى : أسكنت ذريتي ، ذكره ابن الأنباري . قوله تعالى : ( بواد غير ذي زرع ) يعني : مكة ، ولم يكن فيها حرث ولا ماء . عند ( بيتك المحرم ) إنما سمي محرما ، لأنه يحرم استحلال حرماته والاستخفاف بحقه فإن قيل : ما وجه قوله : ( عند بيتك المحرم ) ولم يكن هناك بيت حينئذ ، إنما بناه إبراهيم بعد ذلك بمدة ؟ فالجواب من ثلاثة وجوه : أحدها : أن الله تعالى حرم موضع البيت منذ خلق السماوات والأرض ، قاله ابن السائب . والثاني : عند بيتك الذي كان قبل أن يرفع أيام الطوفان . والثالث : عند بيتك الذي قد جرى في سابق علمك أنه يحدث ها هنا ، ذكرهما ابن جرير . وكان أبو سليمان الدمشقي يقول : ظاهر الكلام يدل على أن هذا الدعاء إنما كان بعد أن بني البيت وصارت مكة بلدا . والمفسرون على خلاف ما قال . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن إبراهيم خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأمه هاجر ومعه جبريل حتى قدم مكة وبها ناس يقال لهم : العماليق ، خارجا من مكة ، والبيت يومئذ ربوة حمراء ، فقال إبراهيم لجبريل : أهاهنا أمرت أن أضعهما ؟ قال : نعم ، فأنزلهما في مكان من الحجر ، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشا ، ثم قال : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي . . ) الآية وفتح أهل الحجاز ، وأبو عمرو ياء " إني أسكنت " . قوله تعالى : ( ليقيموا الصلاة ) في متعلق هذه اللام قولان : أحدهما : أنها تتعلق بقوله [ تعالى ] : ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) فالمعنى : جنبهم الأصنام ليقيموا الصلاة ، هذا قول مقاتل . والثاني : أنها تتعلق بقوله [ تعالى ] : ( أسكنت ) ، فالمعنى : أسكنتهم عند بيتك ليقيموا الصلاة ، لأن البيت قبلة الصلوات ، ذكره الماوردي . قوله تعالى : ( فاجعل أفئدة من الناس ) [ فيه قولان : أحدهما : أنها القلوب . قاله الأكثرون ] . قال ابن الأنباري : وإنما عبر عن القلوب بالأفئدة ، لقرب القلب من الفؤاد ومجاورته ، قال امرؤ القيس :